القدس تنتصر بدماء أبطالها
إيهاب القسطاوي
لقد أبت أن تستلم، أبت أن يسندها أحد، حاولت بجهد أن تلملم جرحها، بينما كان من خانوها يهرولون نحو الانزلاق على منحدر الخيانة، فيتعثرون ويتساقطون كالجراد على سجاد الخيانة فيركض الصهاينة لنجدتهم.
إنها القدس الشامخة، هنا ثار المجد على طواغيت الظلم، وعلى أرضها ثار التاريخ، ومن هنا سيصنع المجد والتاريخ والانتصار...
يواصل أبطالنا البواسل، التصدي لإجرام النازيون الجدد، في القدس، والذي بدأ في 14 يوليو/ تموز الماضي بإغلاق بوابات المسجد الأقصى في سابقة تاريخية لم تحدث على مدار نصف قرن، وسط تصاعد الإجراءات القمعية من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، ووفقاً لما جاء بتقرير "مركز أسرى فلسطين للدراسات" أظهر "أن سلطات الاحتلال الصهيوني، قد صعدت من عمليات الاعتقال العشوائية بحق أبناء شعبنا الفلسطيني الباسل قبل اسبوعين، حيث تم رصد ما يزيد عن "400" حالة اعتقال طالت النساء والأطفال"، إلاّ أن آلة القمع الصهيونية لن تفلح في تحقيق أهداف الاحتلال في الحد من مقاومته بكل الوسائل والطرق، وأنها لم تنال من عزيمة الشعب الفلسطيني ولن تكسر إرادته، ولن تثنيه عن مواصلة طريق المقاومة والانتفاضة من أجل الحصول على حريته وتحرير أرضه والحفاظ على مقدساته من دنس الاحتلال. بل أن الاعتقالات تزيد الشبان عناده وصلابه وإصرار على مواصلة الطريق. وأمام صخرة صمود المقدسيون انكسرت غطرسة الكيان الصهيوني، وأزالت قواته البوابات الإلكترونية وكاميرات المراقبة من محيط المسجد، وأعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل الرابع عشر من شهر تموز الماضي.
لقد اختار المقدسيون خيار المقاومة والصمود لوقف نزيف الانتهاكات وتعسف الاحتلال ضدهم، في الوقت الذي سقطت فيه كافة أنظمة المنطقة في شراك الولايات المتحدة وعملائها، وتحولت سلطة "أوسلو" لشرطي ضمن صفوف جيش الإحتلال، مهمتها الأولي هي حراسة أمن الكيان من غضب الثائرين، ليتأكد الشعب الفلسطيني بما لا يدع مجال للشك أن بوصلة سلطة أوسلو لم تعد تحرير فلسطين كاملة، بل تثبيت وضعها كجندي في جيش الإحتلال، وأن السلطة الخائنة، ستظل تتآمر كما فعلت من قبل كي تجهض أي مقدمات لمقاومة الاحتلال، بالتعاون مع حماس وكل من تاجروا بالثورة الفلسطينية، اللذان يمارسان تعاوناً أمنياً وضيعاً مع الكيان، كل في النطاق الجغرافي الذي أوكلت له الصهيونية مهمة حراسته، بعدها أصبح الإلحاح على السير على خطى عار كامب ديفيد مبدأ الخيانة، وأصبحت الهرولة الرسمية العربية لأحضان الكيان الصهيوني سمة العصر، لكن الرد الشعبي الفلسطيني يأتي دائماً مزلزلاً، مخضباً بالدماء الذكية،. فقد أطل علينا الشعب الفلسطيني مجدداً ببطولاته ليعلق مرارة خيانة نخبته، بملحمة وطنية جديدة، يسطرها بدماء أبنائه، ملحمة يقودها أبطالنا البواسل في القدس.
وعلى الرغم من الحروب البربرية والاستيطان والحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، ورغم المشاريع الاستعمارية الجديدة من صفقات القرن المزعومة التي تروج لها الولايات المتحدة وعملائها في المنطقة، اختار أبناء القدس هذا التوقيت تحديداً لكسر حالة التردي والخنوع والإصرار على معاني الحرية والعدل والكرامة والاستقلال، رغم كل المحاولات الفاشية الممنهجة، وليس هناك أدنى شك أن انتفاضة الأبطال المقدسيون، أعطت إشارات ملهمة لمدى القوة الهائلة الكامنة في الصفوف الثورية للتصدي وتحدي آلة القمع والسلف الصهيونية، كما كانت هذه الملحمة من أهم المعارك لصد الإجراءات القمعية للعدو الغاصب وإيقاف مخططاته للإجهاض على المقاومة وتغيير مسارها، كما عملت أيضاً على فرز مواقف القوي السياسية المختلفة وساعدت على فضح انتهازية بعضهم، لكن يظل السؤال قائماً عن مدى نجاعة هذه الملحمة في تعبيد طريق مستمر ومستدام لقطار المقاومة الثوري وعن مدى نجاحها في الانتصار لسلطة الجماهير المقاومة في مقابل سلطة المتاجرين بالقضية الفلسطينية.
أن عبقرية الشعب الفلسطيني المقاوم أبت إلاّ أن تقلب الطاولة في وجوه الصهاينة وعملائها، وأن تثبت من جديد أنه شعب جدير بالحياة والحرية، فأطلق انتفاضته الجديدة وانخرط بشبابه وشيبته ورجاله ونسائه، وحتى أطفاله، في اجتراح المآثر وقهر المستحيلات، مستخدماً دمائه، مقارعاً بها العدو الصهيوني المدجج حتى أسنانه بأحدث الأسلحة والتجهيزات، ليوجعه ويقض مضجعه، ويوقظ العالم الذي كاد أن ينسى أن هناك قضية تسمى فلسطين، مجسداً على أرض الواقع أسطورة طائر الفينيق الذي لا يني ينبعث من بين الرماد المحترق متألقاً وأخاذاً من جديد.
سلام على المقدسيين.. سلام للذين لن يعتادوا الذل والهوان، سلام للذين لم يقبلوا بالاستسلام، سلام للذين تشبثوا بحقهم في الأرض، ولسنوات بشروا بهذا الحلم، وانتظروا الملايين تقتنع بإمكانية الخلاص الجماعي، سلام للذين اقتحموا عنان السماء وطاروا من النشوة في الأقبة والميادين، سلام للذين أصبحت حياتهم هي المسيرات والسجون والمشارح وسرادقات العزاء، سلام للذين حاولوا، وأصابوا وأخفقوا، وأبداً لم يتوهوا عن الحق، سلام للذين لم يسقطوا أبداً في بئر الخيانة، سلام للذين لم يقيموا التحالفات من أجل تحقيق مكاسب ذاتية، لأنهم يعرفون أن حليفهم الحقيقي هو الشعب صاحب القضية، ويعرفون أن العدو هو من يحرم الناس من العيش والحرية والعدالة،..
سلام للذين لم يبيضوا وجه العملاء، ولا سهلوا على الخونة مهمة الاستيلاء على السلطة، لأنهم يعرفون أن حق الأرض هو للناس وحدها، سلاماً على أرواح طاهرة أبت الموت إلاّ شرفاً، أنتم المنتصرون، والخزي والعار لكل من حاول سرقة انتصاركم في الداخل والخارج، إن ملحمتكم البطولية تعيد التأكيد من جديد على أن الشعوب لا تموت، وأن إرادتها لا تقهر، وأن الظلم مهما طال، وأن الظلام مهما أدلهم، فإن قوة الحق وإرادة الحياة لقادرين على جلب الانتصار واستنهاض شمس النهار.
وفي نهاية المطاف، القدس ستنتصر سواءً أكنت مع صف المقاومين أو المتخاذلين، القدس ستنتصر.. هكذا قال لنا الشهداء، والشهداء لا يكذبون.
Data
Title: القدس تنتصر بدماء أبطالهاLink: http://ift.tt/2v06hkf
Source: الصفحة الرئيسية
Organization: wmatta@assafir.com (الادارة)
Date: August 02, 2017 at 11:00PM
Actions
Translate original to: En | Es | Fr | De | Pt | Gr | Ca | +Share original with: Twitter | Facebook | Google +
Labels: Lebanese Communist Party, Lebanon, Parties