إشكاليات النزوح السوري في لبنان
محمد المولى
تشكّل قضية النازحين السوريين إحدى المسائل المتفاقمة التي ترخي بظلالها وتأثيراتها المتعدّدة الأبعاد على الوضع اللبناني، مثلما تتلقّى تأثيراته، في مختلف النواحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية والخدماتية والصحية والتربوية والبيئية. كما أن هذه القضية تتشابك أحياناً مع الجوانب الأمنية، وتخضع للتجاذبات والصراعات والإستقطابات المحلية والإقليمية والدولية.
فلقد أدّى إندلاع الصراع العسكري في سوريا، وإتخاذه طابعا تدميرياً، وشموله المدن والضواحي والقرى والتجمّعات السكنية، إلى نزوح أعداد كبيرة من السوريين إلى البلدان المجاورة، وفي المقدمة منها لبنان، ولا شكّ أن عوامل التداخل الجغرافي والتواصل التاريخي بين البلدين، إضافة إلى الإعتبارات السياسية، وسهولة عبور الحدود اللبنانية- السورية، من خلال معابرها الشرعية، أو غير الشرعية، بالمقارنة مع غيرها، ساهمت، مجتمعةً، في التدفّق غير المسبوق للنازحين، وبشكل غير منظّم، على الأعم. وتشير التقديرات إلى أن العدد التقريبي للنازحين، من المسجّلين لدى المفوضية العليا للاجئين، أو الأمن العام اللبناني، أو من غير المسجّلين، أو من الموجودين قبل إندلاع الأزمة السورية، يصل إلى حوالي المليون والنصف، أي ما يقارب ربع السكّان في لبنان.
إنّما، ولمزيد من التدقيق، فإن الوجود السوري في لبنان ليس مستجدّاً. ففي كل الفترات السابقة، كانت اليد العاملة السورية تؤدّي دوراً أساسياً في العديد من القطاعات الإقتصادية، وبالأخصّ في قطاعي البناء والزراعة، وفي الخدمات البسيطة، كما أن بعض رؤوس الأموال السورية كانت تحوّل إلى المصارف، أو تُستثمر في القطاعين الصناعي والتجاري بدءاً منذ الخمسينيات، وحتى فترة "الإنفتاح الإقتصادي" في سوريا. وبالتالي، لا يمكن إدراج كل السوريين القاطنين في لبنان في خانة النازحين أو اللاجئين... بل يمكن ملاحظة أنّه، في المراحل الأولى من تصاعد العنف في سوريا، فإن الهجرات تركّزت في عائلات العمّال السوريين في لبنان، وكذلك في بعض الأوساط "الميسورة مادياً" التي قدمت إلى المدن، بشكل خاص، لكن توسّع ميدان المعارك دفع بإتجاه هجرات جماعية متلاحقة.
توزّع النازحون في مختلف المناطق اللبنانية، وتركّز حوالي الثلثين منهم في الشمال والبقاع، وهي من المناطق التي تعاني، أصلاً، من أوضاع إقتصادية صعبة، ومن تردّي مستوى الخدمات الأساسية، ومن غياب أبسط مقوّمات البنى التحتية، ممّا أدى إلى تفاقم المشاكل الحياتية التي طاولت النازحين، كما طاولت المجتمعات المحلية المضيفة، خاصة أن بعض الدراسات تقدّر أن 85 في المئة من النازحين السوريين يعيشون ضمن نطاق 250 بلدية تُعدّ الأكثر فقراً في لبنان.
يقيم قسم كبير من النازحين، وبالأخص ممن يعملون، بأجور متدنية، في مساكن مستأجرة، معظمها بمواصفات غير ملائمة عمرانياً وصحياً وخدماتياً وبيئياً، وبعضها شيّد، على عجل، بغرض إسكانهم، مقابل بدل، في ظلّ إزدياد الطلب، الذي رفع من إيجارات المساكن... وقد يحدث أن تتشارك عدة عائلات في إستئجار مبنى أو شقة واحدة..
لكن، إضافة إلى ذلك، تنتشر المخيمات والتجمعات العشوائية، الخالية بمعظمها من البنى التحتية، ويبلغ عدد المخيمات حوالي الألفين، ويسكنها، غالباً، النازحون الأكثر فقراً، القادمون، إجمالاً، من الأرياف والمناطق الزراعية، وهي تؤوي ما يقارب 20 بالمائة منهم. وقد أقيمت هذه المخيمات في المساحات "الفارغة" داخل البلدات وخارجها، وعلى المشاعات، وفي السهول، وقرب مجاري الأنهار، دون الإلتفات إلى المسائل البيئية والصحية والخدماتية الضرورية، ممّا أحدث المزيد من المشاكل "المضافة" إلى ما كان سابقاً.
وبشكل عام، فقد أثار النزوح السوري مجموعة من القضايا والحاجيات والإشكاليات، بعضها موضوعي، وبعضها الآخر مفتعل أو مشوّه ومضخّم إعلامياً، وهذه القضايا تشمل عدة مستويات:
على المستوى الإقتصادي: كان للنزوح تأثيرات سلبية، كما أنه أحدث آثاراً إيجابية... ذلك أن الزيادة الكبيرة في السكّان أحدثت ضغوطاَ إقتصادية ناجمة عن إزدياد الحاجيات، في ظل الضائقة الإقتصادية، وعدم قدرة أغلبية النازحين على تأمين موارد كافية للعيش، لكنها، في ذات الوقت أحدثت نمواً في الأعمال بسبب النفقات الإضافية الناجمة عن تدفق المعونات الأجنبية... كما كان للنزوح دور في تحريك العجلة الإقتصادية المتعثّرة في الأطراف. فظهرت مؤسسات جديدة أنشأها لبنانيون وسوريون بغية تلبية الطلب الجديد الناتج عن تدفق اللاجئين، ممّا أدّى أيضاً إلى إستحداث فرص عمل جديدة... أما ما يثار حول تحميل العمّال السوريين مسؤولية البطالة في لبنان، فإنه يتجاهل "أصل المشكلة" في النموذج الإقتصادي الريعي اللبناني. ولا ينفي ذلك أن بعض المؤسسات التجارية والخدماتية اللبنانية، ومعها قسم من أصحاب الأموال السوريين، تقوم بإستغلال العمّال السوريين، بشروط عمل متدنيّة، ومن دون ضمانات، متخليّة عن عمّالها اللبنانيين، ممّا يؤدّى إلى إنخفاض معدل الأجر اليومي للعامل في المجالات التي لا تتطلّب مهارات، وبالأخص المناطق الأكثر فقرا التي تشهد حالياً أكبر تمركز للنزوح السوري، وإلى تسعير مشاعر الكراهية بين المستغَلّين.
على مستوى الخدمات العامة الأساسية: يعاني لبنان، أساساً، من مشاكل عميقة في البنى التحتية (الماء والكهرباء والمواصلات والنقل...)، ومن تراجع في الخدمات العامة (الصحة والتعليم والبيئة وإدارة النفايات...). ولقد أحدث النزوح الواسع للسوريين تفاقماً في المشاكل المرتبطة بالخدمات العامة، وعجزاً في القدرات الإستيعابية، مما ترك إنعكسات على مجمل السكان، أي على اللبنانيين، وبدرجة أكبر على النازحين، الذين يعيشون في ظروف سيئة، وتتدهور أوضاعهم الصحية والمعيشية والإنسانية. وفي هذا المجال فإن التقارير والدراسات تشير، على سبيل المثال، لا الحصر، إلى تردّي الأوضاع الحياتية للنازحين، وإلى الضغط الهائل على المرافق الصحية، وإلى مخاطر ظهور الأوبئة (الأمراض الجلدية والمعوية والتنفسية)، بسبب الإكتظاظ السكّاني، في تجمّعات غير ملائمة، وإلى إزدياد حجم النفايات بنحو الربع، في ظل غياب المعالجات، وإلى مشاكل الصرف الصحي والتلوث، وإلى التسرّب المدرسي الهائل في أوساط الأطفال السوريين حيث أن 40% فقط ممّن هم في سن الدراسة مسجلون حالياً في التعليم الرسمي...
على المستوى الإجتماعي: يعاني النازحون من مشاكل إجتماعية ناجمة عن الهجرة القسرية، ومن غياب شبكات الأمان التي يفترض أن توفّر المساعدات التربوية والصحية، والغذائية، والمساندة الحقوقية، والدعم النفسي والإجتماعي. وقد يكون إنتقالهم السريع من بيئاتهم المحلية إلى بيئات جديدة، تحمل قيماً وسلوكيات "مغايرة"، وتفلّت بعضهم من الرقابة والضبط الإجتماعي و"الأمني"، في موطنهم الأساسي، سبباً في بعض "الجرائم" و"الإنحرافات".. لكن ذلك لم يكن، وفق ما تروّج بعض الأصوات العنصرية... حيث أن نسبة الموقوفين من النازحين تبلغ 17 بالمئة من مجموع الموقوفين على الأراضي اللبنانية، وهي تقل عن نسبة النازحين بالنسبة لمجموع السكّان... وتمتد المسائل القانونية إلى جوانب أخرى، حيث أن حوالي ثلثي المواليد الجدد من أبناء النازحين لا يُسجّلون لدى الدوائر الرسمية اللبنانية أو السورية أو لدى المنظّمات الدولية..
على صعيد الإغاثة: في ظل الإنقسام الداخلي، ونظرية "النأي بالنفس"، تخلّت السلطات اللبنانية عن دورها، وتركت المسؤولية على عاتق المفوضية السامية للاجئين وبعض المنظمات الدولية، والجمعيات. علما أن تقديمات الهيئات المانحة، بدأت تتناقص، وهي، على أهميتها، تبقى متواضعة بالمقارنة مع الإحتياجات الفعلية، وهي لا تعادل أكثر من ثلث هذه الإحتياجات، ويتسرّب بعضها إلى جيوب وسطاء وسماسرة و"متلاعبين" بالفواتير، في ظل حالة الفوضى، أو يذهب إلى الموظفين والخبراء والإداريين في المنظمات الدولية... ومن الضروري أن تستهدف الأموال المطلوبة عدة مجالات مثل الحماية، والأمن الغذائي، والتعليم، والصحة، والحاجات الأساسية، والسكن، والمياه والصرف الصحي، والبنى التحتية، وصيانة وتحسين أماكن سكن النازحين وظروف عيشهم. كما من الضروري عدم إهمال حاجات المجتمعات اللبنانية المستضيفة، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، بما يحدّ من التوتّرات المحتملة، إضافة إلى تمكين عائلات النازحين من خلال السياسات والبرامج من إنتاج المداخيل، مع إجراءات حماية سوق العمل الوطني.
على المستوى السياسي: تحوّل موضوع النزوح السوري إلى مادة للإستغلال السياسي والإقتصادي، وتعاملت معظم الأطراف السياسية معه إنطلاقا من مواقفها وإصطفافاتها ونظرتها إلى الأزمة السورية، كما أن بعضها تطرق إلى موضوع النازحين إنطلاقاً من الإعتبارات والهواجس والمخاوف الطائفية والمذهبية والديموغرافية، أو من البعد الأمني فقط، ممّا أدّى إلى تباينات جليّة، وإلى غياب رؤية وطنية موحّدة في تناول الملف وإدارته.
إن سياسة دفن الرؤوس في الرمال، وترك الأمور على حالها، وعدم الإلتفات إلى المعالجات المطلوبة لن تجدي، بل ستزيد من تفاقم المشاكل، وعلى الحكومة اللبنانية أن تعمل على بلورة خطة وطنية واضحة تتضمّن معالجات لقضية النازحين السوريين، في المجالات الإقتصادية والإجتماعية والصحية والتربوية والإغاثية، بالتعاون مع البلديات والمجتمع الأهلي، وأن تعمل على عودتهم إلى بلدهم، بما يستجيب مبدئيا لرغبتهم، ليس فقط بالتعاون مع الأمم المتحدة، بل كذلك مع الحكومة السورية التي تُعتبر المعنية الأولى عن مندرجات هذا الملف المتعدد الأبعاد. كما عليها أن تكافح مختلف أشكال الحملات والممارسات العنصرية ضد السوريين والفلسطينيين، وضد العمّال الأجانب. كذلك يجب أن تواصل الحكومة اللبنانية الضغط على المنظمات الدولية والدول العربية والأجنبية، بهدف تأمين إستمرار التمويل الدولي لمساعدة النازحين وتحسين أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية، وتأمين مقوّمات العيش بكرامة، وضمان حقوقهم الإنسانية من جهة، ومساعدة المجتمعات المحلية الحاضنة لهم من جهة ثانية.
*النداء العدد 320
Data
Title: إشكاليات النزوح السوري في لبنان / محمد المولى - "النداء"Link: http://ift.tt/2wwcBDY
Source: الصفحة الرئيسية
Organization: wmatta@assafir.com (الادارة)
Date: August 22, 2017 at 11:37PM
Actions
Translate original to: En | Es | Fr | De | Pt | Gr | Ca | +Share original with: Twitter | Facebook | Google +
Labels: Lebanese Communist Party, Lebanon, Parties